الفقيد (قصة قصيرة)
للمرة السابعة اخذ (ثابت اليقظان) يقرأ نبأ وفاته المنشور على الصفحة الثقافية من صحيفة (الشعلة) الأسبوعية ، وهو في حيرة من أمره ، ماذا عليه ان يفعل الان ، وقد اتضح له ان ليس هناك خطأ او التباس في الاسم ؟ عاد الى سطور الخبر واخذ يقرأ :
" توفي الى رحمة الله الاديب الكبير ثابت اليقظان ، وهو من الرواد الاوائل الذين خاضو غمار المعترك الادبي ، وله كتابات جليلة في الادب عموما ، وفي القصة بشكل خاص .... "
قذف بالصحيفة جانباً ، واتجه الى جهاز الهاتف ، وأدار رقم الصحيفة ، وانتظر ... ولكن أحداً لم يرد ، انتظر لحظات أخرى دون فائدة ، أيقن أن مقر الصحيفة خال ، وضع الصحيفة في تبرم وضيق ، ونظر إلى ساعته فوجدها الثامنة صباحاً. انكب على عمله محاولاً أن ينسى ذلك الخبر المشؤوم ، ولكنه لم يستطع ، فقد كان في شوق الى ذلك المحرر الذي اغتله بجرة قلم ، مرت نصف ساعة وهو يكاد يهذي مع نفسه ، عاد الى جهاز الهاتف يستنطقه ، رفع السماعة وطلب الرقم ، وبعد لحظات ثقيلة جاءه الصوت :
- هالو ، من يتكلم ؟
- صحيفة الشعلة ؟؟
- نعم .
- أريد أن اتحدث مع مدير التحرير من فضلك .
- المدير مريص ، ولن يجيء اليوم للعمل .
- ورئيس التحرير ؟؟
- لم يصل بعد .
- إذن لم يبق امامي غيره .
- من تقصد؟
- المحرر الأدبي للمجلة .
- جاء قبل قليل وخرج .
- وأنت ؟
- أنا نائب رئيس التحرير ، هل من خدمة أقدمها لك ؟
- نعم أريد أن أتكلم معك بخصوص خبر نشر في العدد الأخير من صحيفتكم .
- قل ما عندك .
- في عدد يوم أمس نشرتم خبر وفاة أديب كبير ، ألا تدري كيف مات ؟
- المرحوم ثابت يقظان ؟
- نعم .
- علمت أنه مات بالسكتة .
- أية سكتة ؟
- وهل هناك سكتة أخرى غير السكتة القلبية ؟!
- قصدي، أريد أن أعرف الظروف التي مات فيها .
- الحقيقة لا أدري بالضبط كيف مات ، خبر السكتة القلبية هذه لم أتأكد منه ، والكلام حول موته كثير .
- ماذا تعني؟
- سمعت قولا اخر يقول: إن وفاته كانت كارثة .
- كارثة !
- يقولون : إن المسكين كان خارجاً من بيته قبل أيام وهوفي هم وغم وكان قاصدا مكتب الكهرباء بـ (حجيف) لمراجعتهم بعد أن قطعوا النور عن منزله ، نتيجة لتراكم الفواتير التي عجز عن تسديدها.
- وبعد ذلك ؟
- بعد أن نزل من السيارة ، وفيما هو يخطو أول خطوة ليقطع الرصيف إلى الجانب الاخر ، داهمته سيارة كبيرة وقطعت اجله.
- وخبر السكتة القلبية ؟
- الاراء تتضارب حول ذلك.
- أريد كل الاراء التي سمعتها .
- قريبون له يقولون : إنه كان ليلتها ساهرأ على فراشه حتى الصباح ، والمذياع بجانبه وتحت أذنه تماماً،يستمع لأخبار العالم العربي .
- تمام ، وبعد ذلك؟
- في السادسة صباحا حاولو إيقاظه فوجدوه جثة هامدة ، والمذياع بجانبه يشدو بصوت عال: " انتصرنا ... انتصرنا "
- غريب ما أسمعه ، ولكن قل لي : هل هناك رأي اخر غير ذلك ؟
- نعم ، الرأي الاخر يذكر أن وفاته كانت في السوق ، كان يومها قد أتم شراء كل لوازمهمن سمكوخضراوات ، ولم يكد يخطو بأحماله الثقيلة خارج السوق حتى تهاوى على الارض ، وفاضت روحه.
- يرحمه الله ، ولكن أريد أن أعرف من هو أول من نقل لكم خبر وفاته ؟
- المحرر الأدبي للمجلة .
- وأين هو الان ؟
- هذه الأيام مشغول بأمر خاص يتعلق به .
- أي أمر ؟
- الرجل له اكثر من سنتين _منذ عقد قرانه_ على أمل أن يجد له مسكناً ليتزوج فيه ، ومنذ ذلك التاريخ وهو في سفر دائم بين الصحيفة والإسكان ، ولكن أنت ماذا تريد منه ؟ هل تعرفه ؟
- أنا في شوق اليه .
- "تحب عندما يصل أن نقول له أي حاجة ؟"
- لا، قل له : إني اتصلت به .
- من حضرتك ؟
- ثابت البقظان
ووضع السماعة.
(السبت ، الحادي والثلاثون من كانون الأول ).
أمامه الان غير الصحيفة السابقة ثلاث صحف أخرى كلها تحذو حذو صحيفة (الشعلة) . أخذ الأولى وقرأ :
" ننعى للشعب وفاة أحد أبنائه البررة وهو في أمس الحاجة اليه ".
رماها وتناول غيرها وقرأ:
"لقد كان الفقيد شخصيةً محبوبة ، وفكراً مضيئاً ، وشعلة وطنية ..."
كاد رأسه ينفجر، وهو يتساءل مع نفسه :
لماذا نحن العرب لا نحتفي بأدبائنا ومفكرينا إلا بعد وفاتهم؟ أكان يجب عليهم أن يموتو أولاً لكي نعدد مزاياهم؟ ثم أين محرر المصائب هذا ؟
ولم يطق صبرا، تناول سماعة الهاتف وطلب رقم الصحيفة :
- هالو صحيفة الشعلة ؟
وأتاه صوت ناعم رقيق .
- نعم من أنت ...
- ثابت اليقظان.
- الأديب المتوفى؟
- روح ثابت يقظان .
- أتغازلني يا أستاذ ؟
- أوه ، أنت بالك رائق ، من فضلك أريد مخاطبة محرر الشؤم الذي عندكم .
- أي محرر تعني ؟
- وهل من أحد غيره يشغلني ؟ المحرر الأدبي للصحيفة .
- اسفة لم يصل بعد .
- هل هو في الاسكان أبضاً؟
- أنت عرفت قصته ؟
- أوه أنا أريد أن أعرف قصتي .
- خبر وفاتك؟
- بالضبط.
- سيكون صاحبك هنا بعد نصف ساعة ، ومنه ستعرف القصة .
- حسن مع السلامة .
- مع السلامة يا روحي ، أقصد يا روح ثابت يقظان .
وضع السماعة وكلمات فتاة الهاتف ترن في أذنه ، ابتسم رغماً عنه ، ثم عاد الى عبوسه بعد أن أخذ يتذكر حوادث يوم أمس الجمعة ، عندما وصلت الى منزله صديقة قديمة لزوجته ، جاءت الى بيته بثوب الحداد الأسود بعد أن علمت من زوجها بنبأ الصحيفة المشؤوم ، وكان موقفاً سخيفاً وقع فيه حينما فتح لها الباب بنفسه حتى كاد يغمى على المسكينة عندما رأته .
قطع شريط ذكرياته ونظر الى ساعته، فوجد أمامه ربع ساعة أخرى حتى يحين موعد مكالمة الصحيفة ، عند ذلك عاد ليصل ما انقطع من حوادث أمسه .
تذكر حادثة أخرى ، كان خارجاً من المسجد بعد صلاة الجمعة عندما التقى بأحد شيوخ حارته ، وكان له مدة طويلة لم يلتق به ، صافحة الشيخ في شك وريبة ، وهو غير مصدق عينيه ، ثم قال وهو يتفرس مليا في وجهه :
- العفو يا بني ، نظري ضعيف هذه الأيام ، ألست أنت ثابت يقظان أم انك أحد إخوانه، لقد علمت بوفاة ........ بوفاة شخص من أسرتكم ، ولكن لربما التبس علي الأمر يا بني ، أو انني بدأت أخرف ، أو لربما أن لك إخوة اخرين ومات أحد منهم مثلا ، والله لم أعد أفهم شيئاً مما يجري هذه الأيام .
وتذكر بعد حديث الشيخ كيف كان رده عليه بعد أن استرجع في داكرته حديثه مع نائب رئيس التحرير يوم الخميس الماضي ، رد عليه قائلاً :
- نعم يا أبت لي ثلاثة إخوة جميعهم توفوا إلى رحمة الله ، الأول مات مدهوساً أمام مكتب الكهرباء وبيده فاتورة غير مسددة ، أما الثاني فقد أسكتت قلبه حوادث العرب المفجعة ، ومات والمذياع تحت أذنه .
- والثالث ؟
- أما الثالث _يرحمه الله _ فمات في السوق ، وهو محمل بأكياس البصل والثوم ، حتى قيل إن روحه صعدت إلى السماء وهي تعبق برائحة الثوم .
وأيقظه من استرجاع تأملاته تلك رنين جرس الهاتف ، اختطفه بسرعة في لهفة :
- هالو .
- مكتب المرحوم ثابت يقظان ؟
- نعم هذا قبره .. أقصد مكتبه من أنت ؟
- أنا أحد المعجبين بأدبه ، أرجو أن تبلغ أسرته تعازينا القلبية .
ورد في غيظ قائلاً:
- اطمئن سأبلغه شخصباً تعازيكم .
ثم عاد ووضع السماعة ثم رفعها :
هالو صحيفة الشعلى ؟
وجاءه الصوت الناعم .
- نعم من يتكلم ؟
- ثابت يقظان .
- اهلا بروح الروح .
- هل أنت هكذا دائما خالية البال ، ألا يثيرك شيء مما يجري في هذا العالم ... أخبريني بسرعة هل وصل محرر(البلاوي) أم لا ؟
أجابت الفتاة وهي تتغنى :
- اه ، وصل .. وصل يا حبيبي وصل .
- أوه ، هذا وقت الغناء الان ؟ من فضلك أنا مشغول الان ، اوصليني بالمحرر ، وغني وارقصي بعد ذلك .
- أوه ، طبعا ، انتظر لحظة ريثما أوصلك به .
وانتظر لحظة خالها ساعات ثم جاءه الصوت مرتبكاً :
هالو ثابت يقظان بنفسه !
- بروحه ودمه وهمه .
- لا حول ولا قوة الا بالله .
- هون عليك يا أخي ... أنا لا ألومك بعد أن عرفت ظروفك الصعبة ، وكل ما أريده منك الان هو معرفة حكايتي من أولها .
- الحكاية يا أستاذ هو أنني سمعت قبل أيام عن وفاة أديب كبير ، ولكنني لم أكن أعرف من هو بالضبط .
- جميل وبعد ذلك .
- استحخضرت جميع الأدباء في ذاكرتي ، فخطر لي اسمك فجأة .
- ولكن لماذا اخترتني أنا بالذات من بين كل الأدباء ؟
- لي مدة طويلة لم أسمع عنك شيئاً ، ولم أقرأ لك أي انتاج أدبي جديد .
- قلت في نفسك هذا هو المطلوب أليس كدلك ؟!؟!
- لا . ليس هذا ما قصدته .
- قصدت ذلك أم لا ، المهم أنك نشرت النعي ، متعمدا ذلك أو غير متعمد .
- هذه غلطة لن تتكرر .
- لا أظن ذلك فالأدباء كثيرون .
- اسف . وأرجو المعذرة يا أستاذ .
- اسمع ، أريد أن أسالك سؤالا واحداً .
- اسأل ما بدا لك .
- قلت : إن لك مدةً لم تسمع عني شيئاً .
- نعم مدة طويلة جداً .
- وهل سألت عني أحداً طوال هذه الفترة ؟
- سألت كثيراً من أصحاب الشلل الأدبية .
- وماذا قالو لك ؟؟
- قال لي بعضهم : إنهم لا يعرفون أحداً بهذا الاسم.
- هؤلاء معروفون لدي جيداً ، والاخرون ؟
- قالو : إن لهم مدةً طويلةً لم يروك قط في مجالسهم .
- إنهم يعرفون جيداً أنني لا أرتادمثل هذه المجالس ، أكمل أكمل ، والفريق الثالث ماذا قال ؟
- قال : إنك هاجرت وهجرت الكتابة .
- هذا وأنا على بعد خطوات منهم .
- قد يكون لبعضهم عذر في ذلك ؛ فالأديب حي في نظر الناس ما دام عطاؤه الأدبي مستمراً ، فإذا توقف عن الكتابة مات في نظرهم .
- لكن ، للأديب ظروفٌ كثيرة قد تحول بينه وبين الكتابة ، وأحياناً تحول دون مواصلة الحياة نفسها .
- الناس لا دخل لهم بكل ذلك .
- صحيح ما قلت ، لكن الناس لاتفكر بهموم الكاتب ومشاكله ، يكفيهم ما هم فيه .
- وماذا تنوي عمله الان ؟
- لأمثال هؤلاء الناس المهمومين وللقراء كافة ، سأعود لمزاولة الكتابة من جديد .
- ونحن من جانبنا سنقوم بتكذيب خبر وفاتك في العدد القادم من الصحيفة .
- لا تتعجلوا بالنشر ، فحتى يحين موعد عددكم القادم لربما وقع المحتوم ، فتنشرون وفاتي وأنا حي ، وتنشرون نجاتي وأنا ميت .
- أطال الله عمرك يا أستاذ ، ولكن قل لي : ما هو المطلوب منا يا أستاذ ؟
- سأبعث لكم بقصة جديدة تنشرونها في عددكم القادم ، لتكون بعثاً جديداً لي .
- جميل ما قلت ، وبذلك ستثبت للناس عكس ما أشيع عنك .
- إذن اتفقنا ، مع السلامة .
وضع السماعة ، ثم قام من على مكتبه ، واتجه الى التقويم الذي خلفه على الحائط ، ونزع منه اخر ورقة للعام المنتهي ، واتجه إلى النافذة أمامه ورماها ، ووقف يتأمل طيرانها في الهواء ؛ وكأنه يودع ضيفاً ثقيلاً ، ثم عاد إلى مكتبه ممتلئ النفس بالبشر والتفاؤل ، ثم بسط أوراقه ، وبدأ يكتب قصته الجديدة