رحلـــة المــــوت
رحلة الموت .. من المسئول؟! ممدوح إسماعيل صاحب العبارة يحتكر الخطوط
ولايخضع للرقابة والتفتيش عينوه عضوا بمجلس الشوري وأصبحت سلطاته فوق
القانون ماحدث جريمة لايجب السكوت عليها .. ودماء الشهداء في رقبة الحكومة
في عام 91 غرقت 'سالم اكسبريس' وفي أكتوبر الماضي غرق 'السلام 95' والآن
'السلام 98'
كان المشهد رهيبا، وكانت الصرخات تدوي، تصل إلي عنان السماء، ثم سرعان ما
ترتد إلي أصحابها، الحريق يشتعل، يمتد رويدا رويدا .. المحركات توقفت، هناك خلل
ما قد حدث .. وفجأة تغرق السفينة دون إشارة واحدة
**********
في السابعة والنصف كانت السفينة 'السلام 98' قد أكملت حمولتها، عمال فقراء
ينتمون إلي صعيد مصر جاءوا من السعودية والكويت ودول خليجية أخري، معهم
تحويشة العمر، أحلامهم تسكن في العقول، الآن سوف نسعد بعد شقاء، سوف
نبني البيت، ونستريح قليلا بعد طول عناء .. قال عطيفي رشدان الذي كان يعمل
بدولة الكويت: سأتزوج الأسبوع المقبل وسأعود بزوجتي من جديد. كان يحلم
بالزوجة والأهل في الصعيد، حمل معه الهدايا وانتظر اللحظة الحاسمة
صوت السفينة يعلو 'ياه يذكرني بصوت قطار الصعيد يابوي' قالها محمد صادق ابن
سوهاج القادم من المملكة العربية السعودية ومعه زوجته وبناته الثلاث، لقد غادر
مصر منذ سنوات طوال أنجب خلالها بناته الثلاث والآن قرر العودة ليستقروا في
بين أهلهم في سوهاج
**********
الآن اكتمل العدد حوالي 1415 هم مجموع راكبي السفينة وطاقمها، بعضهم
سعوديون وسودانيون وسوريون، إلا أن هناك 1298 مصريا كانوا هم المجموع الأكبر
بين ركاب السفينة
بعد دقائق انطلقت السفينة .. كانت الرياح عاتية وصلت إلي حوالي 12 ميلا بحريا،
لكن قائد السفينة صمم علي أن تمضي الرحلة في موعدها، كان مقدرا للرحلة أن
تصل في حوالي الثانية والنصف صباحا، ولكن بعد حوالي الساعة من انطلاقها اندلع
حريق محدود داخل السفينة، وعندما أبدي البعض انزعاجه قيل لهم إن الحريق
محدود، وسنتمكن من إطفائه، إلا أن الحريق استمر لأكثر من ثلاث ساعات ونصف
الساعة
في هذا الوقت كان أحمد عليوة خريج معهد القراءات بالأزهر يجلس علي متن
السفينة، كان أحمد قد عاد لتوه بعد فترة عمل استمرت شهرين بالسعودية، عمل
فيها سائقا في موسم الحج وجمع خلالها مبلغا من المال يعينه علي الحياة مع
أسرته وأبنائه
كانت الساعة قد بلغت التاسعة والنصف مساء، شاهد أحمد دخانا ينبعث من
أسفل السفينة، ذهب علي الفور إلي قائدها ليبلغه بما رآه، وسأل: إيه الحكاية؟ رد
عليه قائد السفينة بأعصاب هادئة، هذا الدخان هو نتاج مواسير الصرف الصحي
عاد أحمد إلي مكانه مرة أخري، لكن مساحة الدخان تتزايد، اعتراه قلق شديد، عاد
مرة أخري إلي قائد السفينة ليبلغه بالأمر فقال له: لا تقلق يا أخي هذه مقطورة
عفش مولعة وسنطفئها بعد قليل
لم يصدق أحمد عليوة ما قيل له .. تردد بعض الشيء، ثم عاد مرة أخري وقال له
اسمح لي أن أساعد أنا وعدد آخر من الشباب في إطفاء هذا الحريق خوفا من أن
يمتد .. إلا أن أحمد عليوة ووفقا لروايته لي قال: 'إن القبطان قال له خذ خرطوم
المطافي ورش الماء علي سطح المركب حتي لا تسخن
وبالفعل وعلي مدي ساعتين كانت المياه تتدفق من خرطوم المياه إلي سطح
السفينة ثم سرعان ما تتدحرج إلي اسفل .. وبدا قاع السفينة وكأنه تعرض لسيل
جارف من المياه، إلا أن كل ذلك لم يستطع وقف النيران المشتعلة التي لا يعرف
أحد لها سببا، بل ان قائد السفينة رفض الاستماع إلي نصائح البعض بالعودة مرة
أخري إلي ميناء ''ضبا' السعودي وصمم علي الاستمرار في طريقه رغم ان
المسافة بينه وبين 'ضبا' بعد اندلاع الحريق مباشرة كانت أقرب بكثير من المسافة
بينه وبين ميناء سفاجا
أبدي أحمد عليوة انزعاجه من هذه التطورات التي تلحق بالسفينة، أبدي دهشته
من عدم ارسال رسالة استغاثة، فراح يسأل مجددا: إيه الحكاية، في هذا الوقت
**********
كانت السفينة تتأرجح، ويبدو أن قائدها بدأ يشعر بالقلق، فقال له ولآخرين من
الطاقم أخرجوا الركاب من الجانب الأيمن واحشدوهم في الجانب الأيسر حتي تعود
السفينة للاتزان بسبب مياه المطافئ التي غمرتها في الجانب الأيمن من القاع.
بدأت عمليات الدق العنيف علي الكبائن، خرج الناس مذعورين يسألون ماذا حدث،
شاهدوا النيران بأعينهم، أدركوا أن قائد السفينة فقد السيطرة عليها،
استمعوا للتعليمات وانتقلوا فورا إلي الجانب الأيسر، كانت الساعة قد بلغت
الواحدة وعشر دقائق، وكان الناس يتدفقون بسرعة شديدة .. وما هي إلا دقائق
معدودة حتي ارتجت السفينة بعنف، واستمع الركاب إلي أصوات انفجارات تنبعث
من القاع الأسفل وتحديدا باتجاه المطبخ .. البعض قال ربما تكون أصوات انفجارات
أنابيب البوتاجاز، وآخرون قالوا إنها أجسام ترتطم
**********
وحتى هذا الوقت لم يكن هناك ولو بيانا واحدا يقول للركاب ماذا حدث، كان الكل
مرتبكا، ولم تكن هناك مراكب للانقاذ كافية، بل ان المراكب لم تتحرك إلا النزر
القليل منها، وهو أمر وضع الكثير من علامات الاستفهام التي لا تجد إجابة
علت صرخات الأطفال والنساء، كان صوت الرجال عاليا، كانت أياديهم ترتفع إلي
السماء 'يارب انقذنا .. يارب خليك معانا .. يارب نجينا' .. الخوف يطل من العيون التي
يكسوها الظلام من كل اتجاه وشبح الموت يطارد الأحلام التي تسكن العقول
دقائق معدودة، وألقي بنفسه من علي ظهر المركب، لم يدر ماذا حدث، لكنه رأي
السفينة تغرق في ثواني قليلة
بعد دقائق كان البحر يموج بمئات المواطنين الذين القوا بأنفسهم بعد ان ارتدي
بعضهم سترات الانقاذ علي عجل .. كان الجو صقيعا، البرد والموت والغرق يحاصر
من القوا بأنفسهم، مئات من المواطنين لم ينجحوا في إلقاء أنفسهم وظلوا
حبيسي الكبائن
أب يسعي إلي انقاذ زوجته وطفلتيه، تموت الطفلة سريعا، تزحف الأم نحوها
تمسك بها، لكن الأمواج تدفعهما، بينما ينجو الأب بمعجزة، حكايات وروايات مأساوية
شهدتها الساعات التي تلت الواحدة صباحا وحتي العاشرة من مساء اليوم التالي
قال أحمد عليوة لقد أنفذوني في السادسة من مساء الجمعة، ظللت أسبح في
البحر ظللت أسير الأمواج لأكثر من 16 ساعة إلي أن جاءت طائرة وانتشلتني ولم
أصدق، وأعيش الآن حالة الصدمة ومعي كثيرون
**********
في العاشرة والنصف تقريبا انقطع الاتصال بالسفينة، والسفينة غرقت في الواحدة
وعشر دقائق، وأين كانت الجهات المسئولة طيلة فترة انقطاع الاتصال بالسفينة؟
إنه السؤال الذي يردده الكثيرون، فلا الشركة ولا الجهات المعنية كلفت خاطرها
بالبحث وطرح تساؤل آخر لماذا انقطع الاتصال؟ وهل حدث مكروه أم ماذا؟
كانت السفينة تصارع الغرق، ويبدو أنها لم تكن تمتلك أدني مقومات السلامة كما
أن قائدها تعامل مع الأمر باستهانة شديدة، لا تقل عن استهانة الآخرين الذين كانوا
علي الجانب الآخر
حتى قبيل الرابعة فجرا بقليل لم يكن هناك فكرة حول ما جري للسفينة التي
غاصت علي بعد 800 متر من سطح البحر، كان كان شيء يمضي عاديا.. وفجأة
تلقت غرفة عمليات هيئة موانئ البحر الأحمر بلاغا من الشركة المالكة للباخرة
بانقطاع الاتصال مع السفينة
كان يفترض أن تصل السفينة في الثانية والنصف صباحا، ولم تصل في الموعد
المحدد وكان يفترض أن يمثل انقطاع الاتصال من العاشرة والنصف مساء حالة من
القلق لدي المسئولين عن الشركة، إلا أن ذلك لم يحدث، ولذلك انتظروا حتي
الرابعة فجرا، ثم راحوا يبلغون غرفة العمليات
تكتمت الجهات المعنية علي الخبر وفرضت سرية تامة عليه حتي لا يصل إلي
وسائل الإعلام 'المغرضة' فتبدأ حملات التشهير، وفي السابعة صباحا فقط أي بعد
انقطاع الاتصال بالسفينة لأكثر من ثماني ساعات ونصف الساعة بدأت التحركات
والتعليمات ، ولم تبدأ عمليات الانقاذ الحقيقية إلا بعد ظهر يوم الجمعة.. وحتي
كتابة هذا التقرير كان عدد من تم انقاذهم حوالي 324 مواطنا منهم 46 من طاقم
العبارة
**********
الغريب في الأمر أن مصدرا مسئولا بمركز تحليل ومتابعة حوادث النقل البحري أدلي
بتصريحات صحفية للأهرام قال فيها: 'إن العبارة المنكوبة مزودة بجهاز يسمي
ايبيرب' يعمل اتوماتيكيا عند تعرض العبارة للغرق حيث يقوم بارسال اشارات
استغاثة فورية وعاجلة تسمي باشارة الغرق،. وهي اشارة تلتقطها جميع محطات
الانقاذ البحري شمال وجنوب البحر الأحمر فضلا عن السفن والبواخر العاملة
بالمنطقة، إذا السؤال: لماذا لم ينطلق هذا الجهاز ويعطي الاشارة؟ وهل هو موجود
أصلا أم ماذا؟
**********
7
7